كنوز ضاد العرب ::سقوط الاندلس/بقلم واكلي يسمينة /الجزائر
كنوز ضاد العرب /لمحة تاريخية
سقوط الأندلس
عن : الدكتورة واكلي يسمينة
تعرضت الأندلس لمحن متوالية في القرن السادس الهجري = الثالث عشر الميلادي، ولم تجد من يمد لها يدا أو يصد عنها عدوانا، وزاد من ألم المحنة أن حكام الأندلس تخاذلوا عن القيام بواجبهم، وتخلوا عن مسئوليتهم التاريخية تجاه أعدائهم النصارى الذين تفتحت شهيتهم لالتهام قواعد الأندلس الكبرى واحدة بعد أخرى.
وصدق ابن حزم الأندلسي فيهم حين قال : «نقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عزَّ وجل، والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنوهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم ويحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما أعطوا المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام، وعمَّروها بالنواقيس».
وكانت بلنسية -وهي من حواضر الأندلس العظيمة التي تقع على البحر المتوسط- قد تعرضت لفتنة هائجة وثورة جامحة في مطلع القرن السابع الهجري، ولم تهدأ إلا بتولي أبي جميل زيان بن مدافع مقاليد الحكم فيها، بعد أن انسحب واليها السابق أبو زيد بن أبي عبد الله محمد من المدينة، وبخروجه انتهى حكم دولة الموحدين في شرق الأندلس.
وبعد خروج أبي زيد من بلنسية سنة (626هـ = 1230م) فعل ما لم يكن يخطر على بال مسلم، وذهب إلى ملك أراجون خايمي الأول، وأعلن دخوله في طاعته، وعقد معه معاهدة دنيئة يتعهد فيها بأن يسلمه جزءاً من البلاد والحصون التي يستردها بمعاونته.
ولم يتوقف هذا الحاكم الخائن عند هذا الحد من الخزي، بل ارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية، واندمج في القوم الذين لجأ إليهم، وأخذ يصحبهم ويعاونهم في حروبهم ويدلهم على نقاط ضعف المسلمين.
وفي أواخر سنة (631هـ = 1233م) بدأت قوات ملك أراجون وبصحبته والي بلنسية السابق الذي تنصر (أبو زيد) في الزحف إلى أراضي بلنسية الشمالية، ودله الأمير المرتد على الحصون المنيعة التي وجب احتلالها ، وواصل الملك سيره نحو تحقيق حلمه ، وكانت الإمدادات تنهال عليه بالرجال والمؤن حتى إذا اقترب من المدينة كان جيشه قد تضخم بما انضم إليه من حشود الحرس الوطني ببرشلونة، والمتطوعين الفرنسيين الذين جاءوا إليها بطريق البحر، وأثناء سيره كانت تتوالى عليه رسائل من معظم الحصون المسلمة القريبة من بلنسية تعلن الدخول في طاعته، وكانت نهاية الفصل الأخير من مأساة بلنسية قد اقتربت، ولاح في الأفق الحزين غروب شمسها، وكان قد سبقها إلى هذا المصير مدينة قرطبة العظيمة التي سقطت في يد فرناندو الثالث ملك قشتالة، وخيم على الناس روح من اليأس والقنوط، وتضاءلت مواردهم، وضعف أملهم في نصير يستنجدون به.
وفي الوقت الذي كان فيه البلنسيون يعانون الضيق والحصار ولا يجدون من يمد لهم يد النجدة كانت تنهال عليهم الضربات من كل جانب، لكنهم كانوا عازمين على المقاومة والدفاع، فكانوا يخرجون لمقاتلة النصارى في شجاعة وبسالة، واستمر الحصار على هذا النحو زهاء 5 أشهر، حتى أصبح الدفاع عن المدينة ضربا من الانتحار ، اتفق الفريقان على أن تسلم المدينة صلحا.
وفي يوم الجمعة الموافق 9 من أكتوبر 1238م دخل خايمي ملك أراجون بلنسية ومعه زوجه وأكابر الأحبار والأشراف والفرسان، ورفع علم أراجون على المدينة المنكوبة، وحولت المساجد إلى كنائس، وطمست قبور المسلمين، وقضى الملك عدة أيام يقسم دور المدينة وأموالها بين رجاله وقادته ورجال الكنيسة.. وهكذا سقطت بلنسية في أيدي النصارى الإسبان بعد أن حكمها المسلمون أكثر من 5 قرون.
تعليقات
إرسال تعليق